وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي.يكتب.. السودان.. وكليب بن ربيعة
لم تكن عبارة السفير الحارث إدريس، مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، “بشسع نعل كليب” مجرد جملة مستدعاه من التاريخ ،فالعبارة، بما تحمله من حمولة ثقافية وشعبية، جاءت في سياق مواجهة سياسية أراد فيها السودان أن يقول شيئًا أكبر من مجرد الرد على مندوب دولة الإمارات أو تفنيد بيانها، أراد أن يستعيد حق البلاد في تعريف الحرب ، وفي تحديد موقعها ، ومن يقف خلفها، ومن يحاول إعادة صياغة روايتها أمام العالم.
في الجمعية العامة للأمم المتحدة، رد الحارث إدريس بالأمس على مداخلتي الإمارات وتشاد، مستندًا إلى تقارير دولية، بينها تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن العوامل الخارجية التي تغذي الحرب وتطيل امدها.
وأشار التقرير إلى شبكات عابرة للحدود تولّت تجنيد ونقل وتدريب مقاتلين أجانب، وتوفير السلاح والتقنيات العسكرية للدعم السريع المتمردة ، مع ارتباط أفراد وكيانات بهذه الشبكات بالإمارات. وبحسب نتائج التحقيقات والوقائع الموثقة، التي ثبت تورط الإمارات في دعم الحرب، رغم استمرار نفيها. وبذلك لم يعد الأمر مجرد اتهام سياسي، بل ملفًا قانونيًا واخلاقياً موثقًا يضع مسؤولية الدعم الخارجي أمام المجتمع الإقليمي والدولي .
هنا يبرز سؤال مهم، لماذا احتاج السودان إلى هذا الرد؟ لأن المعركة باتت تُخاض على الرواية والسيادة . وفي ضوء حديث المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عن حرب السودان قال إنها تُخاض بالوكالة طمعًا في الموارد ، فإن اختزالها في نزاع داخلي بين طرفين ليس مجرد تبسيط، بل تغييب للسياق الإقليمي الذي يحيط بها. فالسودان ليس ساحة متاحة لأطماع الطامعين، ولا موارده غنيمة للحلفاء والوكلاء ،إنها أرض دولة ذات سيادة، وقرارها ومواردها وحق شعبها فيها ليست محلًا للمساومة.
ولهذا كانت الإشارة إلى “كليب بن ربيعة” أعمق مما تبدو عليه . كليب ليس مجرد شخصية من ذاكرة العرب، ولا مجرد اسم ارتبط بحرب البسوس وما تختزنه من صراع على الكرامة والثأر والسلطة. إنه حاضر في الذاكرة الشعبية العربية باعتباره رمزًا لصراع المخزي الذي تجاوز الأشخاص إلى معنى الجماعة والهيبة والوجود. وحين يستدعي الدبلوماسي السوداني هذه الذاكرة في محفل دولي، فإنه يستدعي معها لغة يعرفها الوجدان العربي، لكنه في الوقت نفسه يخاطب ذاكرة سودانية أقدم وأعمق.
فالسودان لا يبدأ تاريخه في 15 أبريل 2023، ولا تختصر هويته في مشهد الحرب، ولا تُعرّف دولته بما تفرضه عليه خرائط النفوذ الحديثة.
خلف السودان تاريخ ممتد من كرمة وكوش ونبتة ومروي، مرورًا بسلطنات وممالك وكيانات سياسية كالفونج ودارفور، وصولًا إلى الدولة السودانية الحديثة. هذه ليست فذلكة تاريخية توضع في مقدمة المقالات، وإنما جزء من الوعي الجمعي الذي يجعل السوداني شديد الحساسية تجاه أي محاولة لاختزاله في صورة بلد مأزوم أو ساحة مفتوحة للآخرين.
ومن هنا تبدو عبارة «بشسع نعل كليب» كأنها تقول للطامعين لا تظنوا أن السودان الذي أمامكم بلا ذاكرة، ولا تتعاملوا مع شعبه باعتباره مجرد رقم في تقرير إنساني أو طرفًا في حرب يمكن إعادة تعريفها من الخارج.
لقد أشار تقرير بعثة تقصي الحقائق إلى أدوار لشبكات دولية في دعم أطراف الحرب، وقالت البعثة إن لديها “أسبابًا معقولة للاعتقاد” بتورط كيانات ووسطاء وشبكات تعمل عبر دول عدة في تقديم دعم عسكري ولوجستي للدعم السريع المتمردة . وهذه معطيات تفتح بابًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا أمام الخرطوم، لا بمجرد إطلاق الاتهامات، وإنما بتحويلها إلى ملفات موثقة وأسئلة محددة أمام المجتمع الإقليمي والدولي.
بلادنا اليوم لا تحتاج إلى تكرار من موّل ومن سلّح، فالمسألة باتت حاضرة في الخطاب الدولي، وتحدثت تقارير وآليات أممية عن دعم خارجي وشبكات عابرة للحدود تغذي الحرب. المطلوب هو نقل الملف من دائرة الإدانة إلى دائرة الردع ، تحرك سياسي وقانوني ، وملاحقة شبكات التمويل والتسليح، وحشد الإقليم والمجتمع الدولي لوقف التدخل. فالسودان لا يدافع عن أرضه وموارده وقراره فقط ، بل يثبت أن سيادته ليست ورقة تفاوض، وأن حربه لا يمكن أن تتحول إلى بوابة لاقتسام وطن أو نهب موارده.
هذا وبحسب #وجه_الحقيقة، لقد آن للسودان أن يُقرأ كما يريد ، دولة ذات سيادة، لا ساحة نفوذ، وطنًا له ذاكرة، لا فراغًا تتنازعه الأطماع. كليب بن ربيعة يبقى رمزًا لمن يرفض أن تُستباح أرضه، لكن السودان ليس كليبًا، وحربه ليست حرب البسوس. السودان دولة لا غنيمة، وموارده ليست مشاعًا، وقراره الوطني ليس ورقةً في حسابات الطامعين. ومن أراد كتابة مستقبل السودان، فعليه أن يدرك أن هذا المستقبل يكتبه السودانيون وحدهم.
دمتم بخير وعافية