اخبار السودان العاجلة

وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي.يكتب..معاش الناس..

ماذا ينتظر المواطن من الحكومة، والأزمة الاقتصادية تصفعه من كل اتجاه؟ المواطن اليوم يعيش بدخل محدود ومصادر رزق غير مستقرة، لا يواجه ارتفاع سعر سلعة واحدة، وإنما منظومة كاملة من الضغوط تبدأ بالغذاء والدواء والوقود والمواصلات، وتمتد إلى التعليم والسكن والخدمات الأساسية. ومع اقتراب العام الدراسي وعودة الجامعات إلى نشاطها، تتسع دائرة الالتزامات الأسرية في وقت تتراجع فيه القدرة على الوفاء بها.

جلسة مجلس الوزراء الاستثنائية، بحضور حكام الأقاليم وولاة الولايات، بحثت قضايا الاقتصاد ومعاش الناس، في وقت الذي أصبحت فيه الأزمة اختبارًا لقدرة الدولة على حماية المواطن. قررت الجلسة وقف الجبايات ، وإلغاء الرسوم على الوقود ، ومنع التحصيل على الطرق والسلع، وتوسيع البيع المخفض والتعاونيات والتحصيل الإلكتروني، خطوات يمكن أن تخفف العبء، لكن التحدي الحقيقي يكمن في مسؤولية التنفيذ والمحاسبة.

فالقرارات وحدها لا تحمي المواطن، وإنما تحميه القوانين والإجراءات الواضحة، والجهات المسؤولة عن تنفيذها، والرقابة التي تتابع الالتزام بها، والمحاسبة التي تطال من يتجاوزها. لذلك فإن نجاح هذه التوجيهات لا يُقاس بما صدر من قرارات، بل بما نراه في السوق ومحطات الوقود والطرق، والمخابز والمواصلات وبما يشعر به المواطن في حياته اليومية.

هنا يبدأ اختبار الحكومة، المواطن لا يعيش على البيانات، بل على أثر القرارات في حياته. يريد أن يلمس انخفاض الرسوم والجبايات، واستقرار المواصلات والأسعار. فالوقود لا يخص أصحاب السيارات وحدهم، ارتفاعه يرفع تكلفة النقل والغذاء والإنتاج والزراعة والخدمات، ويدفع المواطن في النهاية ثمنه من دخله المحدود. لذلك، المعيار ليس عدد قرارات الحكومة ، بل ما الذي تغيّر فعليًا في حياة الناس بعد صدورها.

ويمتد امتحان الحكومة فيما يخص “معاش الناس ” إلى العلاج والخدمات والخبز، فارتفاع تكلفة العلاج ونقص الدواء، إلى جانب ارتفاع سعر الخبز وتراجع جودته، يضاعف أعباء الأسر السودانية ،ويكشف الحاجة إلى التدخلات ،بجانب ضبط السوق وحماية جودة السلع والخدمات الأساسية.

وفي الوقت نفسه، يبرز ملف عودة العاملين في الدولة إلى مواقعهم باعتباره وجهًا آخر لمعاش الناس. فقد وجّه مجلس الوزراء العاملين بالعودة إلى مواقع عملهم خلال 45 يومًا، في إطار إعادة تشغيل مؤسسات الدولة بعد سنوات الحرب. من حيث المبدأ، فإن عودة الجهاز الإداري إلى العمل الطبيعي جزء من عودة الدولة ، فالوزارات والمؤسسات لا يمكن أن تظل إلى أجل غير معلوم تعمل بنظام الطوارئ أو من مقار مؤقتة.

لكن العودة ليست قرارًا إداريًا فقط. فآلاف الموظفين نزحوا خلال الحرب، وبعضهم أسس حياة جديدة في مدن أو دول أخرى، والتحق أبناؤهم بمدارس وجامعات، واستنزفت سنوات النزوح مدخراتهم، بينما تراجعت القيمة الحقيقية للأجور. وهناك مؤسسات لم تستعد بعد مقارها بصورة كاملة، وأخرى تعمل من مبانٍ بديلة أو بطاقة وظيفية محدودة. لذلك فإن نجاح العودة يحتاج إلى مقوماتها: مقار صالحة، وزيادة الأجور، ووسائل انتقال، وخدمات أساسية، وترتيبات واضحة للذين تعذر عليهم الرجوع.

ومع اقتراب العام الدراسي الأسبوع المقبل، تتضاعف أعباء الأسرة بين الغذاء والوقود والمواصلات، ورسوم الدراسة والكتب والزي والترحيل، بينما تنتقل أعداد جديدة من طلاب إلى الجامعات بجانب عودة الجامعات الي نشاطها . هنا تصبح مسؤولية الحكومة أكثر وضوحًا، أن تجعل التعليم أولوية في سياسات معاش الناس، وأن تخفف كلفته عن الأسر، لأن حماية تعليم الأبناء ليست خدمة إضافية، بل حماية لمستقبل الدولة الجديدة .

لكن معاش الناس، لن يستقر بإدارة الأسعار وحدها، فاستقرار السوق يحتاج إلى إنتاج يعوّض ما تستهلكه البلاد. وهنا تصبح الزراعة نقطة البداية غذاءٌ أكثر، عملٌ أكثر، ونشاطٌ يحرك النقل والتجارة والصناعة والتعليم والصحة . لذلك فإن مسؤولية الحكومة لا تنتهي بضبط الأسعار وتخفيف الجبايات، بل تبدأ من إعادة تشغيل عجلة الإنتاج وربطها بالسوق والدخل وفرص العمل. فالمواطن لا يريد فقط أن يعرف كيف ستواجه الحكومة الغلاء اليوم، بل كيف ستصنع اقتصادًا يقلل حاجته إلى الدعم غدًا.

لذلك ينبغي أن يتحول معاش الناس، من عنوان للاجتماعات إلى مؤشر أداء حكومي. فالحكومة لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة مؤسسات الدولة، وإنما أيضًا بقدرتها على جعل حياة المواطن ممكنة في أصعب الظروف.

في الختام ، بحسب #وجه_الحقيقة فإن السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا أمام الحكومة ليس: ماذا ناقشنا في جلسة معاش الناس؟ وإنما: ماذا تغير في معاش الناس بعد الجلسة؟ فبين القرار وأثره مسافة، وهذه المسافة هي التي يقطعها المواطن كل يوم بين محطة الوقود، والسوق، والمدرسة، والجامعة، وموقع العمل والمستشفى. وحين تضيق هذه المسافة، تبدأ الدولة في استعادة ثقة الناس، وحين تتسع، يصبح الحديث عن معاش الناس مجرد عنوان آخر للأزمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.